نخبة من الأكاديميين
300
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
العملية ، فالغرب من خلال تأثيره وضغطه على عمليات الإصلاح العثمانية اتجه لخلق علاقات اعتماد كبيرة عليه تحتوي ما تبقى من عناصر القوة العثمانية وتكمل عملية إضعاف هذا الكيان الضخم الذي لا يمكن إسقاطه دفعة واحدة ، فلقد كانت الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وسيلة لإكمال دمج الدولة العثمانية في نظام التحالفات الأوروبية وفي النظام الرأسمالي الغربي ، ووسيلة للنيْل من مؤسساته ونظمه الداخلية على نحو يحول دون إحياء وتجديد قوة إسلامية حقيقية ومستقلة . ومن ناحية أخرى : إذا كان العثمانيون قد اعتمدوا أيضًا من قبل على توازنات القوى الأوروبية في القرن السادس عشر م من أجل خدمة أغراض الفتح والتوسع ، ثم في القرن السابع عشر م من أجل خدمة محاولة الاستمرار في التوسع ، ثم في القرن 18 م من أجل أغراض الدفاع عن حدود الإمبراطورية في أوروبا ، فإن توظيف العثمانيين لهذه التوازنات منذ الربع الأخير من القرن الثامن عشر م لم يكن إلا من أجل استمرار البقاء والحفاظ على تماسك الكيان في مواجهة تزايد " حركات الاستقلال " في شرق أوروبا وفي مواجهة التهديد العسكري المباشر من جانب الدول الأوروبية للولايات العربية . فقد انعكس تأثير التوازنات الأوروبية على نمط العلاقات العثمانية - الأوروبية المباشرة ( على ساحة أوروبا ) وعلى نمط العلاقات بين الدولة العثمانية وولاياتها العربية الإسلامية والدول الإسلامية الأخرى ، على نحو أبرز بقوة في وهذه المرحلة ما أضحى للمتغير الأوروبي من تأثير سلبي طويل الأجل على الدور العثماني العالمي وعلى مصير الدولة العثمانية برمّته . وهكذا حدث الانهيار العثماني حين تراكم تأثير النتائج السلبية لكل من عمليات الإصلاح وعمليات توظيف التوازنات الأوروبية - الأوروبية . هذا ، وتجدر الإشارة هنا إلى أن عمليات الإصلاح ( من حيث دوافعها وطبيعتها ونتائجها ) لم تكن عملية داخلية إذ كانت تقع في صميم التفاعلات الدولية الكبرى في هذه المرحلة ؛ ومن ثم فهي لم تكن منفصلة عن تأثير تطورات التوازنات الأوروبية - الأوروبية على علاقات الدولة العثمانية مع الدول الأوروبية أو مع ولاياتها . فبقدر ما كان يؤدي الاهتمام بآليات عملية الإصلاحات والتفاعلات حولها إلى علاج الانحياز في دراسة ما يسمى " المسألة الشرقية " من منظور التاريخ الدبلوماسي الغربي فقط ( كما سنرى لاحقًا ) فإنه كان يؤدي أيضًا إلى تحقيق أهداف أخرى ، أهمها بيان الارتباطات الواضحة والمتداخلة بين هذه العمليات الإصلاحية ( في تفاعلها مع آليات التوازنات الأوروبية ) وبين قضايا وأزمات العلاقات العثمانية مع الولايات الأوروبية والولايات العربية تحت الهيمنة العثمانية ، ولقد كانت هذه القضايا والأزمات هي الساحة التي اختبرت مواقف القوى الأوروبية المختلفة من بقاء واستمرار الدولة العثمانية ، ومن ثم اختبرت وزن وتأثير المتغير الأوروبي على مصير الدولة العثمانية في بعديْه الأساسيين المتكاملين : إحياء القوة الذاتية ، والحفاظ على تماسك أرجاء الدولة . ومن ثم أضحى مصير الدولة العثمانية - بكل تعقداته وانعكاساته وتأثره بمصالح القوى الأوروبية